الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

89

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وهذا التركيب لا يراد به صريحه وإنما يراد به الكناية عن المباعدة . وقد جاء هذا المكنى به مصرحا به في قوله تعالى : فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [ الشعراء : 216 ] ، ولذلك فجملة : أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ إلى آخرها بيان لجملة : لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ولذلك فصلت . وإنما عدل عن الإتيان بالعمل مصدرا كما أتي به في قوله : لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ إلى الإتيان به فعلا صلة لما الموصولة للدلالة على البراءة من كل عمل يحدث في الحال والاستقبال ، وأما العمل الماضي فلكونه قد انقضى لا يتعلق الغرض بذكر البراءة منه . ولو عبر بالعمل لربما توهم أن المراد عمل خاص لأن المصدر المضاف لا يعم ، ولتجنب إعادة اللفظ بعينه في الكلام الواحد ؛ لأن جملة البيان من تمام المبيّن ، ولأن هذا اللفظ أنسب بسلاسة النظم ، لأن في ( ما ) في قوله : مِمَّا أَعْمَلُ من المد ما يجعله أسعد بمد النفس في آخر الآية والتهيئة للوقف على قوله : مِمَّا تَعْمَلُونَ ، ولما في تَعْمَلُونَ من المد أيضا ، ولأنه يراعي الفاصلة . وهذا من دقائق فصاحة القرآن الخارجة عن الفصاحة المتعارفة بين الفصحاء . [ 42 ، 43 ] [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 42 إلى 43 ] وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ( 42 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ ( 43 ) لما سبق تقسيم المشركين بالنسبة إلى اعتقادهم في الأصنام إلى من يتبع الظن ومن يوقن بأن الأصنام لا شيء ، وتقسيمهم بالنسبة لتصديق القرآن إلى قسمين : من يؤمن بصدقه ومن لا يؤمن بصدقه ؛ كمل في هذه الآية تقسيمهم بالنسبة للتلقي من النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى قسمين : قسم يحضرون مجلسه ويستمعون إلى كلامه ، وقسم لا يحضرون مجلسه وإنما يتوسمونه وينظرون سمته . وفي كلا الحالين مسلك عظيم إلى الهدى لو كانوا مهتدين ؛ فإن سماع كلام النبي وإرشاده ينير عقول القابلين للهداية ، فلا جرم أن كان استمرار المشركين على كفرهم مع سماعهم كلام النبي أو رؤية هديه مؤذنا ببلوغهم الغاية في الضلالة ميئوسا من نفوذ الحق إليهم ، وليس ذلك لقصور كلامه عن قوة الإبلاغ إلى الاهتداء ، كما أن التوسم في سمته الشريف ودلائل نبوءته الواضحة في جميع أحواله كاف في إقبال النفس عليه بشراشرها ، فما عدم انتفاع الكفار الذين يعاينون ذاته الشريفة بمعاينتها إلا لشدة بغضهم إياه وحسدهم ، وقد أفاد سياق الكلام أنهم يستمعون إليه وينظرون إليه ولا ينتفعون